كتابات

قانون العزل السياسي بعد 10 سنوات

سالم العوكلي

في الذكرى العاشرة لثورة فبراير التي هزت أركان دكتاتورية فريدة من نوعها، ما كان لها أن تأفل إلا بهكذا حراك شعبي بدأ على حدود ليبيا الغربية ثم الشرقية فأصبحت في مهب العاصفة. حين أراجع ما حدث أثناء هذه العشرية، وكيف انحرفت الثورة عن وعودها الصعبة، أجد أن أول أسفين دُق في ظهر الثورة هو إصدار قانون العزل السياسي الذي أحدث شرخا كبيرا في هذا المجتمع، وأقصى الكفاءات من المشهد المقبل ليحل محلهم حفنات من الانتهازيين والأغبياء واللصوص بعد أن فرغوا الساحة من كل منافس يملك رؤية للتغيير. ورغم أن مجلس النواب ألغى بعد سنوات هذا القانون الجائر والمتخلف إلا أن الأوان كان قد فات حيث أطلق هذا القانون آلية الانشطار المتسلسلة التي أدت إلى كل الكوارث بعده. لهذا السبب رأيت أن أعيد في هذه الذكرى نشر مقالة (قانون العزل .. عَزل ليبيا) سبق أن كتبتها عندما كان هذا القانون مازال يُتداول تحت قبة المؤتمر الوطني سيء الذكر، بينما الميليشيات التابعة لأعضاء داخله كانت تكدس التوابيت أمام المقر. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ولكن على الأرض بدأت هذه القوى المتحكمة في المؤتمر الوطني في قانون غابٍ آخر، ليس العزل السياسي فقط ولكن العزل الوجودي عبر سيل من اغتيالات النخب الليبية من كل اختصاص، سواء أعملوا في الفترة السابقة أو ممن شاركوا في حراك فبراير، من عسكريين وأمنيين وقضاة وصحفييين وناشطين مدنييين … إلخ، من رجال ونساء. وأمام هذه المقصلة بحجم الوطن، لم يكن ثمة خيار سوى أن يجمع المُدْرَجون في قوائم التصفية أنفسهم ويخوضون حربا دفاعا عن أنفسهم أولا، ثم دفاعا عن وطن أصبح يدار من خلف الحدود عبر تنظيم ديني لا يتورع عن فعل أي شيء كي يصل إلى السلطة وينفرد بها إلى الأبد.

المقالة:

يقول الروائي التشيكي ميلان كونديرا: “عندما تحدثت مع التشيكيين، بعد عام من نهاية الشيوعية، سمعت في حديث كل واحد منهم هذه الصيغة التي أصبحت طقسية، هذا التمهيد الإلزامي لكل ذكرياتهم وكل أفكارهم، بعد هذه الأربعين عامًا من الرعب الشيوعي، أو «الأربعون عامًا المرعبة»، وعلى الأخص «الأربعون عامًا الضائعة» أنظر إليهم: لم يرغمهم أحدٌ على الهجرة، ولم يُسجَنوا، ولم يُطرَدوا من عملهم، وحتى لم يُنظر إليهم بازدراء، جميعهم عاشوا حياتهم في بلدهم وفي منازلهم وفي عملهم، وكانت لهم إجازاتهم وعطلهم وصداقاتهم وغرامياتهم، وباستخدام تعبير «الأربعون عامًا المرعبة» يختصرون حياتهم إلى مظهرها السياسي فقط.

حين يتكلمون جميعًا عن الأربعين عامًا المرعبة، فهذا يعني أنهم يحولون إلى أورويلية ذكرى حياتهم الخاصة التي أصبحت على هذا النحو، بشكل استدلالي في ذاكرتهم ورؤوسهم، ضئيلة القيمة وحتى ملغاة تمامًا «الأربعون عامًا الضائعة».

هكذا يختصر أغلب الليبيين الآن تاريخهم لأربعة عقود في مظهر النظام والنظام فقط، ليصبح كل مَن عمل في هذه العقود في الدولة هو جزء من النظام، وربما سيتطور الأمر إلى أن كل مَن عاش في هذه العقود يكون محسوبًا على النظام. وهكذا تختزل حياة شعب بأكمله في واقعها السياسي، وهي مصادرة تتجاوز أي تعريف محتمل للاستبداد.

يحيلنا هذا التصور للحركة التاريخية إلى قانون العزل السياسي، وحقيقة لم يشهد التاريخ البشري حالة إقصاء بهذا الحجم، خصوصًا عندما يتم تحت مصطلحات غير محددة: ما هو المقصود بالنظام؟ وهل ثمة تفريق بين الدولة والنظام؟ خصوصًا أن هذا القانون يعتبر حتى مَن تقلدوا مناصب إدارية أو تقنية أو فنية تخص حياة الناس اليومية أو كانوا ضمن نسيج التكنوقراط الذين جعلوا الحياة تستمر طيلة هذه (الأربعين سنة الضائعة) يعتبرهم أزلامًا.

وتغدو المصادرة الشاملة متعلقة باصطلاح غامض ومرن لم يتم تعريفه أو بالأحرى لم تكن هناك رغبة في تحديده، وهذه إحدى سمات النظم الشمولية المستبدة التي تستخدم لافتات لغوية جاهزة وغامضة لإقصاء أكبر قدر من البشر، بل وتستخدمها في قراءة النوايا والمشاعر، والأنكى استخدامها في محاكمة حتى الموتى.

عبر هذا القانون تُنصب محكمة شاملة ، متهموها شعب بأكمله، محكمة دون قاضٍ، ودون محامي دفاع، ودون شهود، ودون حاجب، ودون حتى مقر، وتحكم غيابيًّا على عشرات الألوف دون أن تتاح لهم فرصة الدفاع عن أنفسهم، بل وتحكم على أولادهم وأحفادهم الذين تضرس أسنانهم دون أي تأكيد على أن أباءهم أكلوا الحصرم.

في هذه الحالة ليس المقصود بالمحكمة مؤسسة قانونية عملها محاكمة الذين خرقوا القوانين، إنما هذه المحكمة تمثل فقط القوة التي من حقها أن تحاكم، قوة السلاح الذي أصبح هوية الثوار الجدد، أو قوة حزب ديني مدعوم من قوى كبرى وصغرى، طالما جعل العدالة جزءًا من اسمه، يقتات على شرعية مؤقتة كي تجرف مَن يهددون أجندته الخاصة جدًّا.

المحاكمة المقامة بشرعية القوة هي دائمًا مطلقة، ولا تختص بأفعال أو جرائم محددة «سرقة، اغتيال، اغتصاب، اختلاس..إلخ» إنما بشخصية المتهم أو بهويته، بل ولا تعطي المجال لإمكانية التقادم، فالماضي البعيد يظل حيًّا كحدث اليوم، وحتى عندما تموت فإنك لن تفلت منه، «ثمة جواسيس في المقبرة»، كما يقول كونديرا.

إذًا هي محاكمة تجعل من سيرة الشخص، مهما كان، سيرة جريمة، طالما أنه عاش هذه الحقبة. ولا خلاص من هذا الحكم سوى أن تكون خارج مكان وزمن هذه الحقبة.

سيكون أهم إنجاز للبرلمان القادم إلغاء هذا القانون واستبدال ميثاق شرف وطني على أسس من المصالحة والعدالة الانتقالية به. وسيشكل هذا الميثاق البنية التحتية لأي حوار مجتمعي نسعى إليه، فالدولة تبنيها القرارات الصعبة وليست القرارات السهلة النابعة من غرائز الانتقام وتصفية الحساب.

.*أُدرجت هذه المقالة كمنشور على صفحتي في الفيس بوك، بتاريخ 8 مايو 2013 ، وأعيد نشرها في جريدة الوسط (الموقع الإلكتروني) بتاريخ 15 يوليو 2014.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من قناة 218 الليبية

السابق
أوروبا – كورونا: استراتيجيات لتوفير اللقاحات؟
التالي
الخرطوم تستدعي سفيرها في أديس أبابا للتشاور حول الأزمة مع إثيوبيا – قناة ليبيا