كتابات

إعلام الإرهاب و استراتيجية التفكيك من الداخل – Libya 24

إعلام الإرهاب و استراتيجية التفكيك من الداخل - Libya 24 1

رضا شعبان
كاتب مختص في الشأن الليبي

بضعة فيديوهات و عدة تقارير وكثير من الشائعات و عدد من الجمل البلاغية، تكفلوا بإسقاط ليبيا في 2011

يمثل الإعلام المنضبط والمسؤول ضرورة حتمية في مواجهة قذائف الآليات الإعلامية (شكلا) والحربية (مضمونا) والتي تسللت إلى المجتمعات العربية في صورة فضائيات ومنصات إعلامية حاملة استراتيجية حربية لتفكيك هذه المجتمعات من الداخل بوسائل (رخيصة) من حيث القيمة الأخلاقية نظرا لما تعتمده من كذب وتضليل وتضخيم وافتعال كأغطية لأهدافها الحقيقية.

ورخيصة من حيث التكلفة المالية حيث أنها تعد من أرخص الوسائل الحربية مقارنة بالأسلحة الأخرى التي تعتمدها الدول ذات الأهداف الخاصة بما يستوجب وضع استراتيجية إعلامية دفاعية وهذا ما أكد عليه قادة السياسة والإعلام والثقافة والفكر في منتدى الإعلام العربي الأخير.

وللتوضيح فإن هذا المقال لا يدعو لقمع الحريات الصحفية والإعلامية المنضبطة والمسؤولة والمدركة للمخاطر والتحديات التي تواجه مجتمعاتها ولا يدعو المقال أيضا للتشديد على الوسائل الإعلامية المحافظة على القيم الأخلاقية والوطنية والإنسانية لكن الحال التي وصلنا إليها والضرورة الوطنية والأخلاقية تستدعي التأكيد على الحذر من الآليات الإعلامية الحربية التي تسربت وتحاول التحصن والاختباء تحت غطاء المبادئ العليا والحريات العامة لإخفاء خطتها واستراتيجيتها الحربية التي تستهدف تفكيك هذه المجتمعات من الداخل وضرب الحواضن الشعبية للجيوش الوطنية وتأجيج الفتن بين أبناء الوطن الواحد في إطار الحرب النفسية وهو ما يهدد الأمن القومي.

ومن زاوية استخدام الإعلام في تهديد الأمن القومي أستدعي مقولة للزعيم الألماني أدولف هتلر إن “أبرز أسلحتنا هي الاضطراب الذهني وتناقض المشاعر والحيرة والتردد والرعب الذي ندخله في قلوب خصومنا فعندما يتخاذلون في الداخل ويقفون على حافة التمرد وتهددهم الفوضى الاجتماعية تحين الساعة لنفتك بهم بضربة واحدة”.

وفي التفسير والخطة التنفيذية لكلام هتلر يشرح غوبلز وزير دعايته السياسية أنه ينبغي البحث عن الأقليات الموتورة والفاسدين وذوي العصبيات الحادة والميول الإجرامية فنتبناهم ونحتضن أهدافهم ونهول مظالمهم ونهيج أحاسيسهم بمزيج من الدعاية والشائعات حتى نثير الغني على الفقير والرأسمالي على البروليتاري ودافع الضرائب على فارضها والجيل الجديد على القديم وبذلك نحقق أقصى درجة من الفوضى يمكن معها التلاعب بمقدرات المستهدف وفق ما نشاء.

وأي دولة هي كيان كامل كالإنسان تماما لها عقل وجسد وجهاز عصبي وأجهزة وفوق كل هذا روح معنوية تحافظ على تناغم كل هذه المكونات للعمل بكفاءة ومناعة ذاتية وقوة الدولة الاعتبارية تتمثل في قواتها المسلحة وتعداد سكانها وحجم مواردها وتطورها مرتبط بسلامة حالتها الداخلية وجهازها العصبي وروحها المعنوية ومناعتها الوطنية فإذا تضررت نفسيا وانكسرت هذه الروح المعنوية يحدث خلل في أداء باقي الأعضاء كما الإنسان تماما حين يتعرض لضغوط نفسية.

والعلم والتجربة أثبتا أن التأثير النفسي يتدخل في إرادة الشخص ويجعله قليل الجهد ضعيف الإرادة ويصبح إدراكه للأمور والأحداث إدراكا مشوها مما يجعله عاجزا تماما عن التفكير واتخاذ موقف صحيح وهنا يأتي دور المؤثر النفسي القوي لأدوات الحرب النفسية وهي حرب شاملة بكل ما تعنيه الكلمة فهي تستهدف القوات المسلحة في الدولة وتمتد لتشمل جميع أفراد الشعب مدنيين وعسكريين.

وحتى تحارب شخصا أو دولة نفسيا تحتاج إلى معرفة طريقة التفكير والآراء والميول وحتى الهوايات والمخاوف ونقاط الضعف وجوانب النقص والأحوال المعيشية ودرجة التعليم والأفراد المؤثرين في آراء الأغلبية وهذا ما تقوم به الوسائل المقصودة.

وليس أقوى من أجهزة إعلام تدخل مبدئيا رافعة شعارات براقة ومتميزة في الأداء العاطفي لمراسليها ومذيعيها وترفع شعارات وقائمة من المبادئ والمفاهيم الجديدة لإحلالها مكان القديمة بعد العمل عليها نفسيا واستخباراتيا وتأويلها واختصارها ووضعها في غير موضعها وسياقها وذلك بعد تكثيفها وتلخيصها في صورة أو فيديو تم تصويره من زاوية معينة مصحوبة بآية قرآنية أو بجملة عاطفية منمقة وبليغة من مراسل أو مذيع للوصول إلى أكبر شريحة مستهدفة والتأثير فيها عاطفيا ما يؤدي إلى تراكم غضب داخل نفسية الفرد والمجتمع لينفجر هذا الغضب بعد ذلك حين يريد العدو فيما يسمى برمجة الأدمغة.

وحتى تتم هزيمة جيش يتم توجيه ضربات نفسية تستهدف معنوياته وحاضنته الشعبية باعتبارها مصدر القوة لديه باستخدام أفراد ينتمون لهذا المجتمع ظاهريا ويحملون جنسيته ورقيا فقط فيما تطلق عليهم التجارب والسوابق الحربية اسم (الطابور الخامس ) هذا من جهة إضافة إلى أفراد عاديين من هذا المجتمع غير الواعين بمخاطر هذه الرسالة المسمومة الموجهة من الخارج ويقومون من جهة أخرى بالترويج اللاإرادي لها عبر صفحات الوسائل الاجتماعي، فيما ينتج حالة تعرف علميا بدفع المستهدف إلى تحطيم نفسه ذاتيا أو هزيمته عن طريق نفسه وهذه الطريقة هي أضمن الاستراتيجيات وأرخصها حيث أن إخضاع دولة بالوسائل النفسية أرخص بكثير من إخضاعها بقوة السلاح المباشر، التي تواجه دائما بالمقاومة الوطنية وتوحيد الصفوف خاصة في مجتمعاتنا العربية، لذا فإن الغزو العسكري المباشر يأتي كمرحلة ثانية بعد أداء الآليات الإعلامية دورها وهو ما شهدته التجارب السابقة في العراق وسوريا واليمن وخصوصا ليبيا التي تشهد الآن غزوا عسكريا تركيا بشكله الكامل.

وتستهدف وسائل الحرب النفسية إنتاج تأثيرات متراكمة في آراء وانفعالات واتجاهات وسلوك الأفراد وبذر الشقاق والتفرقة بين طوائف الشعب الواحد وفئاته المختلفة بقصد الوقيعة بينهم وإثارة الأقليات ودفعها للتمرد بإضفاء الشرعية على مطالبها ومساندتها إعلاميا.

ومن بين أدوات هذه الحرب نشر الشائعات والمغالطات المنطقية عبر وسائله الإعلامية الحربية، والتي تكثر تحديدا في أوقات الأزمات حينما يختل الاتزان الانفعالي للفرد فيدفعه هذا الاختلال إلى عدم التمييز بين ما يتردد أو يعرض عليه ومن ثم يعجز عن التفريق بين الخطأ والصواب.

وتظل هذه الآليات الإعلامية تتلاعب بكمية مهولة من الأخبار التي تدفع إلى انخفاض الروح المعنوية للشعب ويضمنها جزءا بسيطا من الحقيقة بعد العمل عليها حتى يصدقها ويبدأ الطابور الخامس بترديدها ويتلقفها المواطن العربي العادي دون وعي بما يوجد لديه موقفا غير حقيقيا يدفعه كما اسلفت الى تدمير ذاته بيديه.

ولعل أبرز مثال لتأثير الآليات الإعلامية الحربية هو ما حدث فيما أطلق عليه (الربيع العربي) وأخص تجربة إسقاط الدولة في ليبيا في فبراير 2011 كوني عايشتها كاملة والتي لم تتكلف سوى بضعة فيديوهات وعدة تقارير وكثير من الشائعات وعدد من الجمل البلاغية وهو أمر بقدر ما ينبئ عن ضعف المناعة الشعبية الذاتية يكشف ضراوة الرسالة الإعلامية الموجهة وتجردها أخلاقيا وهو أمر سأعرضه تفصيلا في سلسلة مقالات قادمة.

وفي النهاية فإن خطورة الآليات الإعلامية الموجهة تستدعي وضع خطط واستراتيجيات دفاعية كاملة مع تحصينات داخلية كافية بزيادة المناعة الوطنية الذاتية لدى شعوبنا العربية.

أعود للتأكيد على ما قاله القادة العرب في منتدى الإعلام العربي الأخير قبل أيام بضرورة الحفاظ على الثوابت القيمية والمهنية والتمسك بالمصداقية والموضوعية مع الإدراك الكامل بقوة الاعلام كأقوَى الأسلحة المنوط بها الدفاع عن الدولة الوطنية وتثبيت أركانها، ومجابهة الأخطارِ التي تحيط بِها سواء في الداخل أوْ الخارجِ.

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من قناة ليبيا 24

السابق
اختتام دورة تدريبية لموظفي مراكز الاقتراع في سواني بن آدم – قناة ليبيا
التالي
الرملي: زيارة الوفد المصري لطرابلس تعكس تغير سياسة القاهرة تجاه ليبيا – Libya 24