كتابات

كيف تُشوش السياسة الدين بشكل مبالغ فيه هذه الأيام؟ رسائل كلينتون المسربة مثالاََ

كيف تُشوش السياسة الدين بشكل مبالغ فيه هذه الأيام؟ رسائل كلينتون المسربة مثالاََ 1
كتب بواسطة قناة الرائد

قال وينستون تشرتشل، عتيد السياسة البريطانية، عند تحالفه مع الولايات المتحدة العدو القديم للمملكة وأيضاً مع روسيا الستالينية في الحرب العالمية، حينما سُئل عن كيفية تحالفه مع أعداء تاريخيين لبريطانيا، فأجاب: “في السياسة، لا يوجد عدو دائم، ولا صديق دائم، بل هناك مصالح دائمة فقط”.

حكمة براغماتية صيغت في جملة واحدة حققت بها بريطانيا كمبدأ نصراً على دول المحور وحافظت على وجودها وشاركت في اقتسام تركة هتلر في يالطا.

قد نجد أن البراغماتية تعتبر دهاءً سياسياً في بعض الأحيان، وحتى إنها ليست حكراََ على السياسيين فقط فإننا يمكن أن نجد العسكري يستطيع المناورة أيضاً ليتخلى عن بعض مبادئه، ولعل أشهر مثال هو معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل على نتائج حرب 197‪3 أو مفاوضات طالبان والأمريكان الآن، ولكن هل يستطيع رجل الدين المناورة؟

منذ سنوات قليلة خلت وحتى اليوم يتعرض الرأي الديني أحياناً لتشويش البراغماتية السياسة بشكل غريب وغير مقبول، ففي ستينيات القرن الماضي دعمت السعودية الحوثيين ضد الاشتراكيين من منطلق ديني بأن الاشتراكية أصلها ماركسي أي بمعنى الإلحاد، ولكنها عادت لتحارب الحوثيين في 201‪5 بدعوى أنهم من الشيعة الرافضة ومن الممكن أن تشكل سيطرتهم على اليمن خطراََ على أرض الحرمين، لكنها في ذات الوقت سلمت العراق لإيران الشيعة رغم أن العراق تحد مباشرة بالسعودية، ومكنت بشار الشيعي من سوريا، كما أنها حاربت السوفييت في أفغانستان، لكنها تسدد ديون مرتزقة فاغنر في ليبيا، بحسب تحقيقات لصحف عالمية، في تناقضات غريبة لا يمكن أن تكون هذه المواقف السياسية نابعة عن ثوابت دينية تتغير بسرعة وفق مصالح ورؤية الحاكم.

موقف الدين من الأمور على ما يشوبه الثبات فهو يرى الكافر كافراََ والكتابي كتابياً والمسلم مسلماً، وإن كانت الضرورات تبيح المحظورات أحياناً فهي تبقى اجتهادات، كاجتهادات وسيم يوسف التي تعطي ضوءاً أخضر شرعياً لسياسات عيال زايد، بين كيل التهم لليهود بفساد البسيطة قبل التطبيع، وبين التعاطف معهم واتهام الفلسطينيين المقاومين بأنهم من أفسد الأمور بعد التطبيع. 

رسائل بريد كلينتون مثالاََ

حينما تسمع أعذار المبررين لكل أفعال الحاكم من وجهة نظر دينية تشعر بهول الصدمة، وتعليقهم على نشر رسائل من بريد كلينتون حول ليبيا أبرز الأمثلة، فالآن أصبحت كلينتون إخوانية، وترامب (الجمهوري) من داعمي التيار السلفي،

ألم يدعم الحزب الجمهوري الحرب على العراق وسلَّم بغداد للشيعة، ألم يدعم جون ماكين السيناتور الجمهوري والمترشح للرئاسة أمام أوباما عام 200‪8  الحرب على ليبيا، بل إنه زار ليبيا فترة ما بعد الحرب، ألا تتسم العلاقة بين المرشح الديمقراطي جو بايدن والحزب الحاكم في تركيا بالاستقطاب بينما يتمتع ترامب بصداقة أردوغان.

 لماذا يجب علينا التعاطي مع رسائل كلينتون، وعدم التعاطي مع مذكرات إدوارد لورانس العرب في حقبة الثورات العربية.

بريد كلينتون القديم الحديث جاء فرصة للحديث عن فرضية خيانة الإسلام السياسي للأقطار والشعوب العربية بحسب وجهة النظر للتيار المدخلي، ولكن ما الفارق بين العلاقات الإسرائيلية – المصرية في عهد مبارك ومرسي أو مرسي أو السيسي؟ ومن الذي شن الحروب ورفض التطبيع؟ أليست الأمور قبل الربيع العربي هي ذات الأمور بعده خاصة في وضع إسرائيل في المنطقة.

سابقاً تحدثت كلينتون -في جلسة استماع لها بالكونغرس- عن أن داعش هي نتيجة تنامي الفكر الوهابي المتطرف الذي استخدمته الولايات المتحدة بالتعاون مع السعودية وباكستان لمحاربة السوفييت في أفغانستان، فهل نكتفي بهذا دليل إدانة على أن داعش هي نبتة وهابية وليست من صنيع الإسلام السياسي، أم أن كلينتون تكذب كثيراً وتصدق أحياناً، ولماذا يجب علينا أن نصدّق البعض ونكذب البعض الآخر من أقوال ذات الشخص؟

ما بين لماذا ولماذا.. ألف لماذا

لماذا يسير الدين على هوى الحاكم؟ ولماذا لا يسير وفق مبادئ حاكمة نظمت الأمور الحكمية من عهد الأمويين حتى العباسيين إلى العثمانيين؟ لماذا علينا أن نضيع العراق ونسلمها لشيعة إيران دون مبرر؟ لماذا علينا أن نذيق سُنة سوريا الأمرّين على يد علوية بشار وشيعة إيران وملاحدة موسكو استفزازاً لتركيا السنية؟

لماذا يقدس الحاكم النظام السياسي أكثر من تقديس دم المسلم المدني البريء؟ ولماذا يرتبط الحاكم بالمقدسات الدينية ووجود الدين، رغم أن الألباني قد صحح حديث رواه ابن ماجه أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) وقف مخاطباً الكعبة قائلاً: “ما أطيبك، وأطيب ريحك، وما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله، ودمه”. فلماذا تربط المشاعر بأشخاص ومن أجل وجودهم تراق الدماء؟ ولماذا لم تنطبق ذات الشروط حينما حاصر عبدالعزيز آل سعود مكة والمدينة وطرد منها الشريف حسين وسيطر على أطهر بقاع الدنيا؟

لماذا تكون المظاهرات شرعية عندما تُنظم ضد الحاكم هذا وتكون فتنة حينما تنظم ضد الآخر؟ لماذا يحق للسعوديين أن يستعينوا بالأمريكان لحماية دولتهم من صدام حسين، ولا يحق للقطريين التعاون مع الأتراك لصد غزو سعودي محتمل؟ لماذا تقيم الإمارات علاقات اقتصادية قوية مع إيران بينما تعتبرها جريمة إذا ارتكبت قطر ذات الفعل؟ لماذا يعتبر التطبيع مع إسرائيل هو السبيل الوحيد لردع إسرائيل، بينما تعتبر المقاومة خيانة؟

أيحتاج مَن يحكم بما قاله الله وقاله الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يستدل برسائل كلينتون؟ 

المصدر: العربي 21

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من قناة الرائد

نبذه عن المصدر

قناة الرائد

اترك تعليق